عماد الدين الكاتب الأصبهاني

مقدمة 20

خريدة القصر وجريدة العصر

مثابرا على خطّته هذه من لقاء كبار الشيوخ للأخذ عنهم والسماع منهم . ففي دمشق سمع على الحافظ ابن عساكر بعض تأريخه الكبير وشيئا من مؤلفاته ، وفي مصر سمع بالإسكندرية الحديث من الحافظ أبي طاهر السلفيّ و « الموطّأ » من الإمام أبي طاهر ابن عوف الزهريّ على ما سأذكره في شيء من التفصيل في الكلام على شيوخه قريبا . وهذا دأب المطبوعين على حب المعرفة واستكمال أسبابها ، يرون أنفسهم أبدا ناقصين فيسعون لتكميلها وتجميلها بحلية الفضل والأدب ، لا يأنفون من الأخذ عن كل ذي زاد من معرفة ، ولا تقعد بهم السن وسموّ المراتب وجلال الأقدار عن متابعة التحصيل . وقد دلّت سيرة العماد الكاتب في هذا الشأن على رجل مثالي في اقتباس أزواد المعرفة ، قليل النظراء في اعتكافه على الدرس والبحث والتدوين . وقد أذكى هذه الحاسّة في نفسه عبقرية اللغة العربية ، وجاذبيّتها ، وهذا السحر الذي تعظم حظوظ آدابها منه ، ثم رواج شأن الكتابة يومئذ في الدولة برفعها لأقدار الكتاب ، وكانت البلاغة سبيل الوزارة عند العباسيين والأيوبيين ، وبها ضاهي العماد الوزراء في الدولة الصلاحية . * * * شيوخه : كان للعماد عدد من الشيوخ غير قليل ، أخذ عنهم علمه وأدبه ، ودعاه إلى الاستزادة منهم حرصه العظيم على الاستزادة من ثقافات عصره في جميع فروعها ، بقدر ما يتسع لها ذرعه ، يذكر بعض مترجميه نفرا منهم ، ويضيف إليهم غيرهم نفرا آخر ، ويغفل هذا النفر جميعا

--> ابن عثمان الإربلي ، والشرف محمد بن إبراهيم بن علي الأنصاري ، والتاج القرطبي . وذكر في « المختصر المحتاج اليه من تأريخ ابن الدبيثي » ( ص 123 ) ممن سمع منه ببغداد القاضي عمر بن علي . وقال سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ( 8 / 506 ) إنه أجاز له . وقال الحافظ المنذري في التكملة ( الورقة 19 ) : « ولنا منه إجازة ، كتب الينا بها من دمشق في شهر ربيع الآخر سنة خمس وتسعين وخمس مائة » ، أي قبل وفاة العماد بسنتين .